محمد محلا يكتب: ابن كيران.. المرشد “الأعمى”

محمد محلا يكتب: ابن كيران.. المرشد “الأعمى”
Screenshot

في السياسة وإدارة الشأن العام، ليست الكلمة مجرد تعبير عابر عن فكرة طارئة، بل هي قرار وموقف، وأحيانا مصير يُبنى أو يُهدم في جزء من الثانية.

فالقدرة على السيطرة على الفكرة وصياغتها بأناقة علامة فارقة بين الزعيم البليغ ومن يقوده انفعاله اللحظي نحو الهاوية، غير أن عبد الإله ابن كيران “المرشد الأعمى” لحزب المصباح (خصوصا)، بات خطابه، وبشكل لافت، انحسارا خطيرا لمفهوم الكياسة وغيابا للجام النفس، لصالح اندفاع خطابي فاق الشعبوية، ويخلط بين الجرأة والوقاحة، وبين الصدق والتهور اللفظي.

ليست الكياسة السياسية نفاقا أو مساومة تفرغ المواقف من جوهرها، بل هي أعلى درجات الذكاء التواصلي، إنها إدراك عميق لسياق اللحظة ووزن الكلمة وتبعاتها على المصلحة العامة.

فالسياسي “الزعيم” لا يقول كل ما يعلم، ولا يعلن كل ما يشعر به في لحظة غضب أو نشوة استعراضية، بل يضع بينه وبين فمه مسافة للتأمل والمراجعة تسمى “لجام النفس”، هذا اللجام هو الذي يمنع رجل الدولة من الانزلاق إلى مستنقع الملاسنات الرخيصة، ويحصن مواقفه من الارتجال الصبياني الذي يعري ضيق الأفق وضحالة التفكير.

إن أخطر ما يصيب القادة والفاعلين هو استعذاب التصفيق الآني في المنصات الشعبوية، واقعية وافتراضية، إذ يتحول الخطيب، تحت وطأة شهوة الكلام وتضخم “الأنا”، إلى أسير لرغبة الإدهاش وإثارة الجدل بأي ثمن. وعندما يُكسر لجام النفس، تخرج العبارات كسهام طائشة تصيب الحلفاء قبل الخصوم، وتكشف عن نزق داخلي لا يليق بمن سير الشأن العام، ومثل هؤلاء ينسون الحكمة التي تقول إن “لسان الرصين من وراء عقله، وعقل الأحمق من وراء لسانه”، فالرأي الرصين يفقد وزنه فور سقوطه في فخ الرعونة والانفعال.

يرتبط لجم النفس ارتباطا وثيقا بوعي المسؤولية الأخلاقية، ذلك أن الكلمات التي تصدر عن السياسيين ليست ملكا لأصحابها فقط، بل تؤسس لثقافة مجتمعية كاملة، فحين تتبنى النخب لغة الإقصاء والتسفيه والتعالي والوصاية الفجة على الآخرين، فإنها تشرعن العنف الرمزي في الفضاء العام وتفرغ الحوار الديمقراطي من شروطه الحضارية.

الكياسة هنا ليست ترفا، بل هي جدار الصد الذي يحمي النقاش العمومي من التحول إلى معارك استنزاف شخصية لا ينتج عنها إلا الخراب وبث الضغائن.

إن قوة السياسي لا تقاس بحدة لسانه ولا بقدرته على إحراج رفاقه أو رجم خصومه، بل بعمقه ورصانته وقدرته الفائقة على ضبط انفعالاته حين تشتد الأزمات وتستفزّه العواصف، والصمت في مواضعه قوة، والإمساك عن الرد حين يقتضي الموقف ترفعا هو ذروة الحكمة، وتطويع اللغة لتخدم الفكرة دون تجريح أو إسفاف هو المعيار الحقيقي للنضج الإنساني والسياسي.

حين يسقط هذا اللجام، يتحول السياسي إلى مجرد عابر طريق يرمي الحجارة ذات اليمين وذات الشمال، ولا يدرك أنه، في نهاية المطاف، يرجم مصداقيته ويهدم بيته بيديه.

فهمتيني ولا لا؟ أعتقد أنك لم تعد تفهم.. فلنمر…

شارك المقال

اقرأ أيضاً