رضوان الرمضاني يكتب: “البام” فكرة تبحث عمن يصونها لا من يعبث بها

أكادُ أكون من القلائل الذين تابعوا، بالتفاصيل، مخاض ولادة حزب الأصالة والمعاصرة.
جينات هذا الحزب السياسي تمتد إلى حقل حقوقي شاسع وخصب سُمِّي هيأة الإنصاف والمصالحة.
وبينهما جرت مياه كثيرة تحت الجسر. وجنب الجسر كذلك.
ما يسميه خصومه خطيئة النشأة يستحق أن يسمى نُبل النشأة. نعم، نبل النشأة. أما الخطيئة الحقيقية فهي العبث به، وهي كذلك الاستسلام أمام من حاولوا وصم المشروع منذ انطلاقته.
أسماء كثيرة من مؤسسي الحزب عرفتها في خضم، أو على هامش، أعمال الهيأة، بل كان لها الفضل علي مهنيا.
أقول، ساخرا، تعلمت “فيها” الصحافة، فأصبت وأخطأت وبالغت وجازفت وووو.
من الراحل إدريس بنزكري إلى صلاح الوديع إلى خديجة الرويسي إلى أحمد حرزني إلى عبد الحي الموذن إلى محمد نشناش إلى إلياس العماري إلى حكيم بنشماش إلى الحبيب بلكوش وغيرهم الكثير.
وقبل ذلك، كان منتدى الحقيقة والإنصاف، بفاعليه وقوافله وأخباره وملفاته وكواليسه.
رحم الله السي مومن الشباري.
وبين المنتدى والهيأة، كانت عشرات الرحلات الشاقة، ومئات التغطيات الشاقة، وآلاف الحوارات والأخبار والملفات، بعضها موثق في إصدارات الهيأة نفسها، ولدى المهتمين بجمع الأرشيف.
هذا موضوع قد أعود إليه يوما ما، لأن الكثير مما يحدث اليوم يُفهم في جذوره، وجذوره تعود إلى بداية الألفية الثالثة.
وحين ظهرت حركة لكل الديمقراطيين، مهد الپام، واكبتها بنفس الشغف، والسذاجة كذلك.
قبل أن يصدر إعلان ميلاد الحركة، أسر لي أحد مهندسيها الكبار، ونحن في جلسة خاصة في فندق رباطي: قريبا سنصدر إعلانا مهما!!
لا أتذكر الصيغة بالتحديد، لكن أتذكر المعنى، وأتذكر، جيدا، كيف أني لم أستوعب، أبدا، ولم أتوقع أبدا، أن يكون هذا “الخبر” العابر إيذانا بميلاد حركة، فحزب، غيرا خوارزميات المشهد السياسي المغربي.
واكبت الميلاد الأول، والميلاد الثاني، بكثير من الإصرار، الساذج مرات، والمزعج أحيانا.
وأشهد أنه لم يحدث، ولا مرة، أن تعرضت إلى تضييق، مهما قسوت.
أقصى ما حدث كان حين خاطبني فؤاد عالي الهمة بعبارة ساخرة لا تنم عن امتعاض ولا عن انزعاج.
قال لي، على هامش مؤتمر پامي في مركب مولاي رشيد في بوزنيقة، واخّا فيك يا بو الزبايل!
قالها ضاحكا، فضحكت أنا أيضا. ومضت الأيام.
لذلك، حين أتحدث عن الپام أحمل في ذهني، وخاطري، الكثير من النوستالجيا. نوستالجيا ورش مغربي كبير، حقوقي وسياسي. نوستالجيا شخصيا من العيار الثقيل تعلمت منها الكثير. ونوستالجيا بداياتي المهنية.
حدث هذا قبل أن تتلوث السياسة والإعلام بفيروس السوشيال ميديا، فيختلط الحابل بالنابل بالكابل.
وحدث هذا قبل أن تتحول السياسة إلى مقاعد فقط.
لا أكتفي بالحديث عن حالِ ومآل وواقع الپام، بل أُصِرُّ على التذكير بنُبلِ فِكرته ومشروعه وأهدافه، والتذكير، خصوصا، بصدق مؤسسيه. وإن تطلب الأمر حذف الياء من كلمة مؤسسيه سيصدق المعنى أكثر، مؤسسه!
الپام فكرةٌ تحتاج من يصونها، لا إلى من يعبث بها.
لكن حين أنبه إلى هذا الأمر لا أفعل من باب العداء، بل من باب المسؤولية، لأن عدوّ الپام الحقيقي هو من حاول وصمه بخطيئة النشأة.
لكن، هناك من ينسى هذه الحقيقة، أو ربما لا يستطيع أن يلعب هذا الدور، فيبحث عن أعداء “في المتناول”.





















