أغلبية بـ207 مقاعد ومعارضة متعددة الأقطاب.. المشهد السياسي المغربي أمام مرحلة جديدة

أغلبية بـ207 مقاعد ومعارضة متعددة الأقطاب.. المشهد السياسي المغربي أمام مرحلة جديدة
الأغلبية الحكومية

أفرزت المشاورات السياسية التي أعقبت الانتخابات التشريعية بالمغرب ملامح أغلبية حكومية تضم أربعة أحزاب، هي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، تتوفر مجتمعة على 207 مقاعد من أصل 395 مقعدا بمجلس النواب، في صيغة ائتلافية تسعى إلى ضمان الاستقرار الحكومي وتوفير السند البرلماني اللازم لتنفيذ البرنامج الحكومي المرتقب، مقابل تشكل معارضة قوية ومتعددة المكونات، تضم التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية وتحالف اليسار، إلى جانب مساندة نقدية من حزب الاتحاد الدستوري.

ويعكس هذا التوزيع الجديد للمقاعد ملامح مرحلة سياسية تتسم بتعدد مراكز التأثير داخل المؤسسة التشريعية، حيث تمتلك الأغلبية 207 مقاعد، أي ما يزيد بقليل على نصف أعضاء مجلس النواب، بما يمنحها قاعدة برلمانية لتشكيل الحكومة، لكنه يضعها في الوقت نفسه أمام ضرورة الحفاظ على تماسك مكوناتها وضمان الانسجام في المواقف والتوجهات، خصوصا في ظل تعدد المرجعيات السياسية والإيديولوجية للأحزاب المشاركة فيها.

وتكتسي عودة حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية إلى التدبير الحكومي أهمية سياسية خاصة، بعد خمسة أعوام قضياها في المعارضة البرلمانية، إذ تعيد هذه الخطوة مكونين من تيار يسار الوسط إلى دائرة المشاركة في السلطة التنفيذية، وتفتح المجال أمام إعادة ترتيب العلاقة بين مكونات المشهد السياسي، في ضوء التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتظر الحكومة المقبلة.

في المقابل، يشكل انتقال حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة المنتهية ولايتها، إلى صفوف المعارضة أحد أبرز التحولات التي أفرزتها الخريطة السياسية الجديدة، بالنظر إلى موقعه السابق في تدبير الشأن الحكومي. كما أن انضمام حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار إلى مكونات المعارضة يمنح هذه الأخيرة تعدداً في المرجعيات والخطابات، ويتيح لها إمكانية مساءلة الحكومة من زوايا سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة.

ولا يتوقف وزن المعارضة عند عدد المقاعد التي تتوفر عليها، بل يرتبط أيضا بقدرتها على التنسيق بشأن القضايا المشتركة، وتطوير خطاب رقابي متماسك، وتقديم بدائل عملية للسياسات العمومية. فوجود أحزاب ذات تجارب حكومية سابقة إلى جانب قوى ذات توجهات معارضة مختلفة قد يرفع من حدة النقاش داخل البرلمان، ويجعل جلسات المساءلة ومناقشة مشاريع القوانين محطة أساسية لاختبار قدرة الحكومة على الإقناع والتفاوض.

أما حزب الاتحاد الدستوري، الذي اختار مساندة نقدية خارج الأغلبية الحكومية، فيتموقع ضمن صيغة سياسية تتيح له دعم بعض التوجهات أو المبادرات التي يراها مناسبة، مع الاحتفاظ باستقلالية موقفه وإمكانية توجيه الانتقادات للحكومة عند الاقتضاء. ويضيف هذا الاختيار عنصرا آخر إلى معادلة التوازنات البرلمانية، إذ يجعل المواقف من القضايا المطروحة خاضعة لطبيعة كل ملف، بدل الاصطفاف المطلق خلف الأغلبية أو المعارضة.

وتواجه الأغلبية الجديدة اختبارا حقيقياً في قدرتها على تحويل أرقامها البرلمانية إلى قوة سياسية منسجمة، قادرة على تجاوز اختلافات مكوناتها وتحديد أولويات واضحة للعمل الحكومي. فالحصول على 207 مقاعد يوفر أساسا عدديا لتشكيل الحكومة، لكنه لا يعفي الأحزاب الأربعة من تدبير التباينات المحتملة بشأن توزيع المسؤوليات، وترتيب الأولويات، وصياغة السياسات العمومية، فضلاً عن ضرورة الحفاظ على التماسك خلال المحطات التشريعية والرقابية المقبلة.

وتبرز، في مقدمة التحديات المطروحة، مسألة استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات السياسية، ومواجهة بطالة الشباب، والحد من التفاوتات الاجتماعية والمجالية، إلى جانب تحسين جودة الخدمات العمومية وتعزيز العدالة الاجتماعية. وهي ملفات تتطلب أكثر من توافق حزبي حول تشكيل الحكومة؛ إذ تستدعي برنامجاً واضحاً، وإجراءات قابلة للتنفيذ، وآليات دقيقة للتقييم والمحاسبة.

ومن هذا المنطلق، سيكون الرهان الأساسي أمام حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، وفق المعطيات الواردة بشأن تشكيلها، هو إثبات قدرتها على الانتقال من منطق التوافقات السياسية إلى منطق الإنجاز الملموس، في وقت ينتظر فيه المواطنون نتائج عملية تنعكس على ظروفهم المعيشية وفرص الشغل وجودة التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.

في المقابل، ستكون المعارضة مطالبة بإثبات قدرتها على ممارسة رقابة فعالة ومسؤولة، تتجاوز الانتقاد الظرفي إلى تقديم مقترحات بديلة ومتابعة تنفيذ الالتزامات الحكومية. فالتعدد داخل المعارضة يمكن أن يشكل مصدر قوة للنقاش الديمقراطي، لكنه قد يتحول إلى عامل تشتت إذا غابت القضايا المشتركة وآليات التنسيق بين مكوناتها.

وهكذا، ترسم أغلبية الـ207 مقاعد، في مقابل معارضة متعددة الأطراف ومساندة نقدية مستقلة، مشهدا برلمانيا جديدا يقوم على توازنات دقيقة، ستكون فاعليتها رهينة بمدى قدرة مختلف الفاعلين على تحويل التنافس السياسي إلى ممارسة ديمقراطية منتجة. وبين مسؤولية الأغلبية في الوفاء بالتزاماتها، ودور المعارضة في الرقابة واقتراح البدائل، يبقى المواطن المغربي الحكم الأساسي على حصيلة هذه المرحلة، من خلال ما ستقدمه من حلول ملموسة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تشغل اهتمامه اليومي.

شارك المقال
  1. 09:10

    لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.. جمعيات أمازيغية تضع أمام رئيسة الحكومة 9 إجراءات “مستعجلة”

  2. 09:04

    رئيس مجلس النواب: سأحرص على أخذ نفس المسافة بين المعارضة والأغلبية

  3. 10:00

    وضع حدا للتحالف القائم في الإقليم.. البام يعلن فك ارتباطه مع “الأحرار” باشتوكة آيت باها

  4. 09:47

    دون إعلان رسمي عن استبعاد أي حزب.. برلمان البام يفوض للمنصوري قيادة مشاورات تشكيل الحكومة

اقرأ أيضاً